قصص قصيرة

“البيت اللي ما يموتش… وعيه في كل عقل

سلمى قررت تهرب. جمعت شوية هدوم، وخرجت هي وأمها قبل الفجر. الشارع كان فاضي، بس كل ما يبعدوا، البيت يقرب.
يمشوا؟
يلقوه قدامهم.
يركبوا عربية؟
المرايات كلها تعكس نفس البيت.

الأصوات بدأت تعلى: همسات، ضحك خافت، أسماء بنات بتنادي سلمى. الأرض اهتزت، والنور اختفى. البيت فتح بابه لوحده… كأنه بيقول:
“مفيش خروج.”

الأم وقفت فجأة وقالت:
“اجري… أنا اللي هستاهل.”
لكن البيت ما كانش بيقبل بديل.

البيت فتح الأوضة السرية تاني. الصور اتحركت، البنات خرجوا من الإطارات، واقفين حوالين سلمى. كل واحدة فيهم كانت نسخة ناقصة… روح محبوسة.
الصوت جه من كل حتة:
“واحدة تمشي… واحدة تكمّل.”

سلمى بصّت لأمها.
لو اختارت تمشي، أمها هتختفي.
لو فضلت، الأم تعيش… بس تنسى بنتها.

الأم صرخت:
“ما تختاريش البيت!”

سلمى ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلته.

الصبح، البيت كان هادي.
أم سلمى صحيت لوحدها، مش فاكرة حاجة.
ولا بنت.
ولا صور.
ولا سر.

الجيران شافوا بنت واقفة في البلكونة.
هادية… مبتسمه.
ملامحها شبه سلمى، بس عيونها ساكنة.

في أوضة المراية، صورة جديدة اتحطت.
اسمها: سلمى
وتاريخها: لسه دلوقتي.

بعد شهور، أسرة جديدة نقلت البيت.
بنت صغيرة دخلت أوضتها، وبصّت في المراية.
سألت أمها بخوف:
“ماما… في بنت واقفة ورايا؟”

الأم ضحكت وقالت:
“تخيّلات.”

في البلكونة، بنت واقفة مبتسمة.
سلمى.
ما بتتكلمش.
ما بتتحركش.
بس لما البيت ينام…
هي بتصحى.

سلمى ما كانتش صورة ساكتة زي ما الكل فاكر.
جوه البيت، الزمن ما كانش ماشي لقدّام… كان داير في دواير. سلمى كانت شايفة كل حاجة: الأسر اللي بتيجي وتمشي، البنات اللي بتنام في أوضتها، والبيت وهو بيختار. كانت بتحاول تصرخ، بس صوتها ما كانش بيطلع غير همس، والهمس ده كان اللي الناس بتسميه “خيال”.

في ليلة، سلمى لاحظت حاجة مرعبة:
البيت بدأ يتعب.
الحيطان بتتشقق، الصور بتقع، والهمس بقى عالي ومتوتر.
البيت محتاج أكتر من بنت.
ومش أي بنت… محتاج واحدة تفهمه.

وسلمى فهمت إنها مش محبوسة بس…
هي بقت جزء من عقل البيت.

الأسرة الجديدة كان عندهم بنت اسمها ندى.
ندى ما كانتش بتصرخ لما تسمع الهمس.
كانت ترد.
كانت تقف قدام المراية وتقول:
“أنا سامعاك.”

سلمى شافتها، وحسّت بحاجة غريبة: أمل.
ندى بدأت تشوف الصور تتحرك، بس بدل ما تخاف، كانت بتسأل.
والبيت؟
ابتدى يتلخبط.
لأول مرة، بنت مش ضعيفة.

في أوضة الصور، ندى بصّت لسلمى وقالت:
“إنتي مش شريرة… إنتي محبوسة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock