
حين لا يبقى معك إلا الله… يبدأ الفرج من حيث لا تتوقع
حين تضيق بك السبل، وتُغلَق الأبواب، وتسقط من يدك كل وسائل النجاة…
تصل إلى لحظة لا يبقى لك فيها إلا الله، لا واسطة، ولا حيلة، ولا ادّعاء قوة.
لحظة الانكسار هذه، التي يظنّها كثيرون نهاية الطريق، هي في ميزان الإيمان بداية الفرج؛
لأن القلب فيها يعود صادقًا إلى ربّه، ويذوق حقيقة العبودية،
وحيثما يكون الصدق الكامل، يكون الفتح أقرب مما نتصوّر.
أولًا: الانكسار هو حقيقة العبودية
العبد لا يبلُغ مقام العبودية الصادقة إلا حين يُسقط وهم القوة عن نفسه.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
📖 فاطر: 15
🔹 الفقر هنا ليس مالًا فقط، بل فقر القلب والحول والقوة
وحين تُدرك هذا الفقر شعوريًا لا نظريًا، تكون في أحبّ مقام عند الله.
ثانيًا: لأن الله وعد القريب لا القوي
الله لم يعد أهل الحيلة، بل أهل الضراعة.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
📖 البقرة: 186
🔹 تأمل:
لم يقل إذا دعاه ببلاغة
ولا إذا كان قويًا
بل قال: إذا دعان… أي بصدق وكسر.
ثالثًا: الانكسار سبب المعية الإلهية
قال النبي ﷺ:
«يقول الله تعالى: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي»
📚 (رواه الطبراني وحسنه أهل العلم)
🔹 المعية تعني: نصر، وتأييد، وتسكين، وفرج
فكيف يتأخر الفرج والله معك؟
وقال ﷺ:
«واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»
📚 (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)
رابعًا: لأن التوكّل الحقيقي لا يولد إلا بعد العجز
العبد لا يتوكّل حقًا ما دام يرى نفسه قادرًا.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
📖 الطلاق: 3
وقال ابن القيم رحمه الله:
«التوكّل نصف الدين، والنصف الآخر الإنابة»
🔹 والانكسار هو لحظة اكتمال الاثنين:
توكل بلا اعتماد على الأسباب،
وإنابة بلا التفات إلى غير الله.
خامسًا: الفرج يأتي عند نهاية الاستطاعة البشرية
هذه سنّة ربانية متكررة في القرآن.
قال تعالى:
﴿حَتّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾
📖 يوسف: 110
🔹 لم يأتِ النصر قبل اليأس من الأسباب، بل بعده
وهذا ليس قنوطًا، بل انقطاع قلب عن الخلق واتصال بالله.
سادسًا: الانكسار يطهّر القلب قبل الرفع
قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾
📖 التغابن: 11
قال علقمة رحمه الله في تفسيرها:
«هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم»
🔹 هذا الهداية القلبية تسبق دائمًا الفرج الخارجي.
سابعًا: لأن الدعاء المنكسر لا يُرد
قال ﷺ:
«ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم… ودعوة المظلوم»
📚 (رواه الترمذي)
وقال ﷺ:
«اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»
📚 (متفق عليه)
🔹 والمكسور مظلوم غالبًا:
مظلوم من ظرف، أو قدر، أو بشر، أو نفسه.
الخلاصة العقدية
🔹 الله لا يؤخر الفرج عبثًا
🔹 ولا يكسر قلبًا ليتركه
🔹 ولا يسلبك كل شيء إلا ليعطيك نفسه
قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
📖 الشرح
💡 قال العلماء:
التكرار هنا توكيد أن كل عسر محاط بيسرين.
رسالة لك:
إن كنت الآن في قاع الوجع…
فأنت لست بعيدًا،
بل في أقرب موضع للفتح.





